محمد جمال الدين القاسمي
45
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم . وهو خوف الإمساك على نفسه ، متأيد بأن الأصل في الميتة التحريم . فإذا شككنا في السبب المبيح ، رجعنا إلى الأصل ولظاهر الآية المذكورة . فإن مقتضاها أنّ الذي تمسكه من غير إرسال لا يباح ، ويتقوى أيضا بالشواهد من حديث ابن عباس عند أحمد « 1 » : إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد ، فلا تأكل . فإنما أمسك على نفسه . فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل ، فكلّ . فإنما أمسك على صاحبه . وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس . وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع ، نحوه بمعناه . ولو كان مجرّد الإمساك كافيا لما احتيج إلى زيادة ( عليكم ) في الآية . وأما القائلون بالإباحة ، فحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه ، وحديث الأعرابيّ على بيان الجواز . قال بعضهم : ومناسبة ذلك أن عدّيا كان موسرا . فاختير له الحمل على الأولى . بخلاف أبي ثعلبة ، فإنه كان بعكسه . ولا يخفى ضعف هذا التمسك ، مع التصريح بالتعليل في الحديث لخوف الإمساك على نفسه . وقد وقع في رواية لابن أبي شيبة : إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلّم ما علّمته . وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله ، دلّ على أنه ليس يعلم التعليم المشترط . الرابع : في الآية مشروعية التسمية . قال ابن كثير : قوله تعالى : اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أي عند إرساله له ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعدي بن حاتم : « إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم اللّه فكل ما أمسك عليك » . وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في ( الصحيحين ) « 2 » أيضا : « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم اللّه . وإذا رميت بسهمك » . ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة ، كالإمام أحمد رحمه اللّه ، في المشهور عنه ، التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث . وهذا القول هو المشهور عند الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال . كما قال
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 231 ، وحديث 2049 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الذبائح والصيد ، 4 - باب صيد القوس ، حديث 2198 ونصه : عن أبي ثعلبة الخشنيّ قال : قلت : يا نبيّ الله ! إنا بأرض قوم أهل الكتاب . أفنأكل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد ، أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلّم وبكلبي المعلّم ، فما يصلح لي ؟ قال « أما ما ذكرت من أهل الكتاب ، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها . وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها . وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله ، فكل . وما صدت بكلبك المعلّم فذكرت اسم الله فكل . وما صدت بكلبك غير معلّم ، فأدركت ذكاته ، فكل » . وأخرجه أيضا في : باب ما جاء في التصيد . وفي : باب آنية المجوس والميتة . وأخرجه مسلم في : الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان ، حديث 8 .